أحمد مصطفى المراغي

111

تفسير المراغي

ثم ذكر السبب في شغل أنفسهم بالعبادة فقال : ( يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ ) أي إنهم يخافون عقاب يوم تضطرب فيه الأفئدة من الهول والفزع ، وتشخص فيه القلوب والأبصار من الهلع والحيرة والرعب والخوف ونحو الآية قوله : « وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ » وقوله : « إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ » . ثم بين مآل أمرهم وحسن عاقبتهم فقال : ( لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) أي يفعلون هذه القربات من التسبيح والذكر وإيتاء الزكاة مع الخوف من عذاب يوم القيامة - ليثيبهم اللّه على حسناتهم التي فعلوها ، فرضها ونفلها ، واجبها ومستحبها . ونحو الآية قوله : « إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ، فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ، وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً » . وفي قوله ( أَحْسَنَ ما عَمِلُوا ) إيماء إلى أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم . ( وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ) أي يجزيهم بأحسن الأعمال ، ويضاعف لهم ما يشاء كما قال : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » وقال : « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن ربه : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . ثم نبه إلى كمال قدرته وعظيم جوده وسعة إحسانه فقال : ( وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) أي إنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب ، فهم لما اجتهدوا في الطاعة ، وخافوا ربهم أشد الخوف - جازاهم بالثواب العظيم على طاعتهم وزادهم الفضل الذي لا غاية له ، لخوفهم من قهره وشديد عذابه .